ساسي سالم الحاج
117
نقد الخطاب الاستشراقي
وينتهي « وات » في نهاية بحثه حول أصالة القرآن إلى نتيجة طالما أشرنا إليها آنفا وهي أن القرآن هو صورة حدس الخيال المبدع أو ما يشبه ذلك . ولهذا الانبثاق الإبداعي صلة بالبيئة التي ظهر فيها . فالقرآن قد ظهر باللغة العربية واتخذ شكلا أدبيّا صرفا يشابهه أدب عربي آخر تمام المشابهة ، ثم إنه يتفق ونظريات عرب ذلك الزمان وطريقة تقليدهم كما يتفق مع شعور أهل مكة ، وإلّا فمن ذا الذي يفكر في ذكر الجمل بين أعمال اللّه . ولكن « وات » يقرّ بوجود بعض التناقض بين تعاليم محمد على أساس القرآن وطرق التفكير العربية القديمة . ولو لم يكن الأمر كذلك لما قامت المعارضة الشديدة له « 1 » . ثم يحلّل « وات » الصلة بين القرآن والمصادر اليهودية والنصرانية في سياق دراسته لأصالة القرآن فيرى أن القرآن هو انبثاق مبدع في حياة مكة ، وكل بحث عن « مصادره » هو تقريبا كالبحث عن « مصادر » هملت لشكسبير . وإذا كانت مصادر شكسبير تحدّد المنبع الذي استقى منه بعض ملامح عقيدته ولكنها لا تفسّر أصالة شكسبير المبدعة ولا تمنع من تفسيرها ، ونفس الأمر بالنسبة إلى محمد فإنه كما كان القرآن معتمدا على صدق محمد ، وليس ثمرة وعيه الخاص فإنه من الأفضل النظر في علاقته بعقلية الذين أرسل إليهم ولمن أعدّ ، أي لمحمد والمسلمين الأوائل وسائر المكيين « 2 » . ويعرض « وات » نقاط الاتفاق والاختلاف بين القرآن والمصادر الخارجية المتمثلة في تعاليم الديانتين اليهودية والمسيحية . ويرى أنه فيما يتعلق بالأفكار الأساسية كفكرة اللّه والحساب فإن القرآن والعالم الغربي يؤكدان معا أن أفكار القرآن على العموم مماثلة للأفكار اليهودية والمسيحية . ويتساءل « وات » هل هذا يعني أن القرآن ليس عملا أصيلا وبالتالي ليس انبثاقا مبدعا ؟ . يجيب « وات » عن السؤال الآنف بيانه بالنفي ويرى أنه إن كان هناك تماثل بين القرآن وتلك المصادر الخارجية فإن ذلك يرجع إلى أن القرآن قد أرسل لأناس منهم محمد قد اتصلوا بصورة مبهمة غامضة بهذه الأفكار ، فالقرآن يخرج أفكاره اليهودية والمسيحية في صورة « معرّبة » كانت تمكن بها في أذهان الفئة المستنيرة من أهالي مكة ،
--> ( 1 ) المرجع السابق ، ص 138 . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 140 .